Main content

بقلم شارا جزّار وترجمة غسان مكارم

نظن في كثير من الأحيان أن العمل من خلف الشاشة قد يحمينا من أشكال العنف التي تواجهنا يوميًا. إلا أنّ ذلك، ببساطة، ليس بصحيح. أصبحت منصات التواصل الإجتماعي، فيسبوك مثلًا، ملائمة أكثر فأكثر لشتى أشكال العنف القائم على النوع الإجتماعي.

يسعى هذا المقال إلى إلقاء نظرة خاطفة على تجارب الأردنيات الحية على الإنترنت، ولا سيما فيسبوك باعتبارها واحدة من أكثر منصات التواصل الإجتماعي شعبيةً في البلاد وحول العالم. وعليه، أطلقنا حوارًا على مجموعة فيسبوك أردنية مغلقة تقتصر على النساء. يلخّص هذا المقال الأنماط والقصص التي ترويها المستجيبات، مدعومة بالنتائج التي توصلت إليها الدراسات والأوراق البحثية التي تُظهر وتوضح أنماط التحرش والعنف عبر الإنترنت حول المنطقة والعالم.

إلى ذلك، تكثر المفاهيم الخاطئة حول العنف القائم على النوع الإجتماعي والحياة على الإنترنت في الأردن، وهي غير بعيدة عن الإتجاهات العالمية،١ حيث يتمّ ربط هذا العنف غالبًا بالاعتداء الجسدي وإهمال أشكال العنف على الإنترنت والتقليل من أهميتها. لكن تعريف العنف القائم على النوع الإجتماعي يشمل "جميع أعمال العنف القائمة على النوع الإجتماعي والتي تؤدي أو قد تؤدي إلى ضرر أو معاناة جسدية أو جنسية أو نفسية أو إقتصادية للنساء، بما في ذلك التهديد بمثل هذه الأفعال أو الإكراه أو الحرمان التعسفي من الحرية، في الحياة العامة والخاصة على حد سواء."٢ وهذا يعني أنّ محاولات الإرتباط غير المرغوب بها وطلبات الصداقة أو الإهانات أو التهديدات على فيسبوك - وغيرها من منصات الإنترنت - يمكنها أن تشكّل عنفًا قائمًا على النوع الإجتماعي.

في هذا السياق، تستخدم جمعية الإتصالات التقدمية٣ مصطلح العنف ضد المرأة المرتبط بالتكنولوجيا، وتعرّفه كالتالي: "أعمال عنف قائمة على النوع الإجتماعي يجري إرتكابها أو التحريض عليها أو مفاقمتها، جزئيًا أو كليًا، باستخدام تكنولوجيا المعلومات والإتصالات، مثل الهواتف المحمولة والإنترنت ومنصات التواصل الإجتماعي، والبريد الإلكتروني. كما الأشكال الأخرى للعنف القائم على النوع الإجتماعي، لا يمكن التسامح مع العنف ضد المرأة المرتبط بالتكنولوجيا، وينبغي تصديق الضحايا ودعمهنّ، والإبلاغ عن الجناة ومحاسبتهم.

في الأردن، لا غرابة في أن يتطور العنف القائم على النوع الإجتماعي ليطارد النساء بشتى الطرق. يقوم الرجال، وغالبًا الفتيان، باستخدام التكنولوجيا من منازلهم ومكاتبهم للتحرّش بالنساء، وعادة ما ينشئون حسابات مزيفة، تصل إلى حدّ التشبّه بالنساء لتسهيل الإتصال مع ضحاياهم. ويأتي بُعد خوادم شبكات التواصل الإجتماعي عن النطاق القانوني للسلطات المحلية ليعزز مجهوليتهم. فبالرغم من أهميّة إخفاء الهوية والخصوصية وضرورة حمايتهما، غير أنّ هذين الحقّين يتمّ توظيفهما للتهرب من المساءلة، فضلاً عن تسهيل فعل التحرّش، ممّا يتيح لهم التحرّش بمزيد من النساء،٤ وفي كثير من الأحيان في نفس الوقت، بأقل كلفة أو مخاطرة ممكنين.

خلال النقاش، تحدثت نساء عن ملف البريد الوارد "الآخر"٥ ضمن الرسائل الخاصة على فيسبوك، واصفات إيّاه بأنّه "منجم ذهب" يجدن فيه مختلف النصوص غير المرغوبة أو المتوقعة، معظمها من رجال لا يعرفنهم ولم يعربن عن اهتمام بتلك المعرفة. ويظهر من شهاداتهنّ أن أولئك المتربّصين يستهدفون الإناث اللواتي "يتجرّأن" على نشر صورهن الخاصة على فيسبوك، وبالتالي افتراض أنّهن "يستدعين" الانتباه إلى جمالهن وعلى استعداد لتحمّل العواقب.

في سياق متّصل، أظهرت شهادات المستجيبات أنماطًا أخرى. على سبيل المثال، غالبًا ما يحاول المتربصون بدء المحادثة برسالة تكون بمثابة طعم، مثل "هل يمكن طرح سؤال؟" وقد يؤدّي المحتوى الغامض إلى رد من المرأة، الذي يسمح للمُرسل بالوصول إلى صفحتها وصورها. ومرّات أخرى، قد يبعثون فقط كلمة "مرحبا" على أمل الحصول على تفاعل.

كما روت إحدى النساء قصة مراهق أنشأ عددًا من الحسابات المزيفة بإستخدام أسماء أنثوية وحاول إضافتها كصديقة تكرارًا. بعد اشتباهها ممّا يجري، قامت برفض كافة الدعوات. ومع ذلك، إستمر المراهق في إرسال الرسائل، متوسلًا الوصول إلى صورها. بعد فترة، علمت المرأة من أحد معارفها المشتركة أن المراهق قد وجد طريقة للوصول إلى صورها من دون إذنها. في هذه الحالة بالذات، تم إبلاغ أهل المراهق الذين تدخّلوا لمحاسبته، لكن هذه النتيجة لا تمثّل تجربة النساء المتعرّضات للعنف عبر الإنترنت.٦

إلى ذلك، في بعض الأحيان، يستثمر هؤلاء الأشخاص الكثير من الجهد لتصوير أنفسهم بشكل لا يثير الريبة، فقد يظهر البعض أنفسهم على أنهم حساسون ومتعلمون. وأفادت إحدى المستجيبات عن تلقيها مرّة قصيدة قصيرة كرسالة خاصة. أثنى المتصل على جمالها مستخدمًا صور الشعر العربي التقليدية، واصفًا حالة الجنون التي أصابته عند رؤية صورها، ثم تتابع القصيدة، "كالعادة، تضيع الكلمات عندما أحاول وصف جمالك. أنا في حالة سكر، ضائع في أحرف وكلمات قصيدتي. أفقد التنفس والتوازن. أشعر بعذاب نزار٧ في محاولاتي رفع الحجاب عن مصدر السحر، ولكن أيضًا بحيرة جبران".٨

وهناك طريقة أخرى تتمثّل بمحاولة إضفاء شعور زائف بالألفة والحميمية. روت مشاركة قصة شخص غريب ظهر بين رسائلها الخاصة يستخدم ألقابًا محببة ورسومات تعبيرية وقلوب، ولم يكف عن إرسال الرسائل محاولًا بدء حديث عابر.

عند السؤال عن ردة فعلهنّ، أشارت معظم النساء إلى تجاهلهنّ أغلب تلك الطلبات والرسائل غير المرغوب فيها، وعدم منحها أهمية كبيرة، بل والضحك عليها. ومع ذلك، قد تصعب مناقشة هذه الحوادث بسبب الأحكام المسبقة، حيث قد تُتهم الضحية بمحاولة "جذب الانتباه"، أو قد يُقال أنها لن تتلقى مثل هذه النصوص لو كانت تعرف كيفية "وضع حدّ لها". كما أنكرت بعض المجيبات مواجهتهن لمثل هذه الحوادث لأنهنّ "لن يسمحن بها أبدًا". ومع أنّ هذا التصريح الأخير يتطلب مزيدًا من التحقق خارج المساحة المتاحة في هذه المقالة، إلا أنه يوضح مدى الضغط الذي يقع على عاتق الضحية لمنع الإعتداء.

كما أنه من المرجّح في الحالات التي يكون فيها محتوى الرسالة صريحًا وفجًا ألّا ترتاح الضحية للتحدث بشكل عام أو الإبلاغ عنها في آلية الإستقصاء التي استخدمناها لجمع الشهادات، أي حوار علني في مجموعة على فيسبوك. بغض النظر عن سبب الصمت، يمكن أن ينتهي الأمر بأن تشعر الضحية بالعزلة وفقدان القدرة على طلب المشورة أو الدعم من أي كان.

من دون الخوض في مختلف أشكال الضرر التي قد تسبّبها هذه الممارسات على الضحايا، نتساءل، ما الذي يخوّل أولئك الرجال إرسال رسائل غير مرغوب بها إلى نساء غالباً ما لا يعرفونهنّ أصلًا؟ ولماذا على النساء تحمّل عبء قراءتها مرارًا وتكرارًا؟

أخيرًا، من المهمّ أن يستمر النقاش حول العنف عبر الإنترنت ضمن العمل الأوسع حول العنف القائم على النوع الإجتماعي. فالأول لا يمكن فهمه من دون فهم آليات العنف والإفلات من العقاب بأشكاله الأخرى إذ أدّت تكنولوجيّات المعلومات والاتصالات الحديثة إلى خلق نظام إيكولوجي محدّد لهذا العنف. وتؤكّد الدراسات القليلة حول الموضوع أنّ هناك مزيد ومزيد منه يختبئ خلف الشاشات،٩ فضلاً عن أشكال مبتكرة وقادرة على إحداث تغيير من المقاومة، والتي لم يكن لدينا مساحة لاستكشافها في هذه المقالة.

قد تبدو دائرة العنف القائم على النوع الإجتماعي لا متناهية في بعض الأحيان. فإذا كان المشي في الشارع أو التنقل أو التسوق أو الذهاب إلى العمل من أكثر الفضاءات التي يتمّ فيها التنديد بالعنف القائم على النوع الإجتماعي، فإنّ الواقع، للأسف، أصبح أكثر سوءًا. قد يكون فتح حساب على فيسبوك المدخل لشتى أنواع المضايقات والعنف التي قد تستهدف المرأة وراء جدران يُفترض أنها آمنة، من جميع أنحاء العالم. لذا، كيف يمكن للمرأة حماية نفسها من هذه الإعتداءات؟ أين يمكنها طلب المعونة؟ وهل سيستمع أحد إلى شكواها من تهديدات "إفتراضية" عندما تكون السلطات في جميع أنحاء العالم خبيرة في تجاهل حتى مزاعم العنف الجسدي الواضح؟

شارا جزار مترجمة وكاتبة للنصوص الإعلانية مقيمة في عمان، الأردن، وتتحدث العربية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية بطلاقة. حازت شارا على درجة بكالوريوس في علم الإجتماع السياسي وشهادتي ماجستير - الأولى في الوساطة بين الثقافات والأخرى في الدراسات الإسلامية والعلاقات المسيحية -الإسلامية. في بداية حياتها المهنية، عملت شارا كصحفية وباحثة قبل أن تنضم إلى فريق عمل مفوضية شؤون اللاجئين/ات في لبنان كمساعدة إعادة توطين. منذ العام ٢٠١١، عملت بشكل رئيسي كصحفية مستقلة. في الوقت الحالي، تعمل شارا مستشارة في الإتصالات لبرنامج تمكين المرأة للقيادة في هيفوس في الأردن.

١ وفقًا لتقرير جمعية التواصل التقدمي بعنوان "العنف القائم على النوع الإجتماعي عبر الإنترنت: تقرير من قبل جمعية التواصل التقدمي إلى مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالعنف ضد المرأة وأسبابه وعواقبه، فإن "أهم التحولات كانت من اعتبار أن تعرّض النساء للعنف على الإنترنت يأتي كسلسلة من الحوادث المنعزلة التي تؤثر على النساء ذوات الإمتيازات النسبية، وصولًا لاستيعابه كجزء من السياق الأوسع لعلاقات القوة غير المتكافئة والعنف والتمييز القائمين على النوع الإجتماعي." (باللغة الإنكليزية)

https://www.apc.org/sites/default/files/APCSubmission_UNSR_VAW_GBV.pdf

٢ المادة ٣ أ، اتفاقية مجلس أوروبا حول منع ومكافحة العنف ضد المرأة والعنف الأسري.

٣ Association for Progressive Communications – APC https://www.apc.org/

٤ وفقًا لتقرير جمعية التواصل التقدمي بعنوان "العنف القائم على النوع الإجتماعي عبر الإنترنت: تقرير من قبل جمعية التواصل التقدمي إلى مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالعنف ضد المرأة وأسبابه وعواقبه، "بالرغم من أن العنف القائم على النوع الإجتماعي ليس بجديد، "يضيف البعد التكنولوجي عناصر كقابلية البحث وإمكانية المثابرة والتكرار وقابلية التوسع، التي تسهل وصول المعتدين إلى المستهدفات، ويمكنها أن تتصاعد وتفاقم الضرر" (باللغة الإنكليزية)

https://www.apc.org/sites/default/files/APCSubmission_UNSR_VAW_GBV.pdf

٥ ينظّم فيسبوك حاليًا الرسائل الخاصة بين الرسائل المعتادة المتبادلة بين المعارف، وطلبات الرسائل المرسلة من قبل غير المعارف والذين تفترض خورزميات فيسبوك وجود معرفة ممكنة، بالإضافة إلى الرسائل التي تمّت فلترتها وهي من غير المعارف الذين تفترض الخورزميات أنّ رسالهم غير مرغوب بها. يشير مصطلح البريد الوارد الآخر إلى إصدار قديم من Facebook Messenger تم تقسيمه لاحقًا إلى طلبات وتصفية، وكلاهما لا يزال يطلق عليهما عادة اسم "الآخر”.

٦ وفقًا لتقرير "من الإفلات من العقاب إلى العدالة: تحسين سياسات الشركات لإنهاء العنف ضد المرأة المرتبط بالتكنولوجيا"، الذي نشرته جمعية التواصل التقدمي في العام ٢٠١٥، فإنه "حتى عند الإبلاغ عن الحالات، فإن ٦٠٪ لن يتم التحقيق فيها" (باللغة الإنكليزية)

https://www.genderit.org/sites/default/files/flow_domestic_legal_remedies_0.pdf

٧ على الأرجح، في إشارة إلى نزار قبّاني، الشاعر السوري المعروف.

٨ على الأرجح، في إشارة إلى جبران خليل جبران، الشاعر اللبناني الأميركي المعروف.

٩ وفقًا لتقرير "العنف والتحرش ضد المرأة في وسائل الإعلام الإخبارية: صورة عالمية" الذي نشرته المؤسسة الدولية لوسائل الإعلام النسائية (International Women’s Media Foundation) في العام ٢٠١٣، فإن "أكثر من ٢٥٪ من الترهيب اللفظي والكتابي و/أو البدني [للصحفيات] بما في ذلك التهديدات للعائلة أو الأصدقاء تمت عبر الإنترنت" (باللغة الإنكليزية) https://www.iwmf.org/resources/violence-and-harassment-against-women-in-the-news-media-a-global-picture/